ابن أبي مخرمة
123
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
عندهم ، فأعجبهم عقله ومعرفته وكلامه وأدبه ، ومال هو إليهم ، وعرفهم أنه عرف أمرهم ، وأنهم دعاة ، واتفق مع ذلك أن هرب عيسى وإدريس من السجن ، فعدل أبو مسلم من دور بني عجل إلى هؤلاء النقباء ، ثم خرج معهم إلى مكة حرسها اللّه تعالى ، فورد النقباء على إبراهيم بن محمد بن علي - وقد تولى الإمامة بعد وفاة أبيه - بعشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم ، وأهدوا إليه أبا مسلم ، فأعجب به وبمنطقه وعقله وأدبه ، فأقام أبو مسلم عند الإمام يخدمه حضرا وسفرا . ثم إن النقباء عادوا إلى إبراهيم بن الإمام في بعض السنين ، وسألوه رجلا يقوم بأمر خراسان ، فقال : إني قد جربت هذا الأصبهاني ، وعرفت ظاهره وباطنه ، فوجدته حجر الأرض ، ثم دعا أبا مسلم ، وقلده الأمر وأرسله إلى خراسان ، فدخل خراسان وهو شاب ، ونهض بالدعوة وهو ابن ثمان عشرة سنة ، وقيل : ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فكان يدعو الناس إلى رجل من بني هاشم ، وإلى الرضي من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أربع سنين ، ومروان بن محمد يحتال على الوقوف على حقيقة الأمر ، وأن أبا مسلم إلى من يدعوهم ؟ فلم يزل على ذلك حتى ظهر له أن الدعوة لإبراهيم الإمام ، وكان مقيما عند أهله وإخوته بكداب بناحية البلقاء ، فأرسل إليه وقبض عليه ، وأحضره إلى عنده بحران ، وأوصى إبراهيم بالأمر بعده لأخيه السفاح ، فلما وصل إبراهيم إلى حران . . حبسه مروان بها ، ثم غمه بحران بموضع فيه نورة وجعل فيه رأسه ، ثم شد عليه إلى أن مات ، ولم يزل أبو مسلم يتحيل بإعانة رجال من شيعة بني العباس وبعثاتهم ، وأقام على ذلك أربع سنين حتى وقف على مرو فملكها ، وكان أول ظهور أبي مسلم بمرو من خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة ، والوالي بخراسان يومئذ من جهة مروان بن محمد نصر بن سيار ، فكتب نصر بن سيار إلى مروان بقول ابن أبي مريم البجلي الكوفي : [ من الوافر ] أرى خلل الرماد وميض نار * ويوشك أن يكون لها ضرام فإن النار بالزندين تورى * وإن الحرب أولها كلام لئن لم يطفها عقلاء قوم * يكون وقودها جثث وهام أقول من التعجب ليت شعري * أأيقاظ أمية أم نيام فإن كانوا لحينهم نياما * فقل قوموا فقد حان القيام وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة وثب أبو مسلم على مقدم خراسان ، وخرج من خراسان بعد